الأربعاء، 9 مارس 2011

الأنظمة العسكرية جرثومة تنخر الاوطان

الأنظمة العسكرية جرثومة تنخر الاوطان
عبد اللطيف البوزيدي
2011-03-09


قد يبدو مستغربا الربط بين الأنظمة العسكرية وتنامي النزعات الانفصالية، بل قد يجد البعض في هذا الربط نوعا من التناقض. أما وجه الغرابة فمرده إلى ما عهدناه من الأنظمة العسكرية التي ابتليت بها بلدان عربية عدة، من إحكام للقبضة الأمنية والاستخبارية، بشكل يقمع أي توجه نحو التعدد أو الاختلاف في إطار البلد الواحد، فبالأحرى أن تسمح تلك الأنظمة الشمولية بوجود تيارات انفصالية، بمعنى أن ما يبدو ظاهريا هو أن الأنظمة العسكرية هي الأضمن للوحدة والأقدر على التصدي لنزعات الانفصال إن وجدت ولو بقوة الحديد والنار. هذا إذا سلّمنا بأن نشوء وتطور نزعات الانفصال طبيعي ومن قبيل القدر المحتوم، لكن ماذا لو تساءلنا لحظة عن أسباب نشوء تلك النزعات الانفصالية؟ ماذا لو انتبهنا إلى كون الأنظمة العسكرية هي ذاتها من أبرز مسببات الانفصال؟
أثبت الواقع الجديد الذي فرضته موجة الثورات العربية المتتالية، بما لا يدع مجالا للشك أن هناك علاقة وثيقة بين سيطرة نظام عسكري على بلد ما ونشوء نزعات انفصالية بذلك البلد، فالثورات العربية اندلعت بالأساس ضد أنظمة منبثقة من رحم المؤسسة العسكرية، إذ إن الرئيس التونسي المخلوع بن علي عسكري نفذ انقلابا أبيض على بورقيبة وهمش الجيش بعد تحويل النظام إلى نظام بوليسي 'ميليشياتي'، وكذلك فعل الرئيس المصري المخلوع مبارك بمصر والقذافي بليبيا وصالح باليمن والبشير بالسودان، وكذلك فعل ولد الطايع ومن بعده ولد عبد العزيز بموريتانيا، وكذلك فعل النظام الذي اتخذ له واجهة بالجزائر كلا من بومدين وبن جديد وبوضياف وبوتفليقة. لقد توطدت على مدى عقود ديكتاتوريات عسكرية ذات واجهات مدنية، في كل من اليمن ومصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والعراق سابقا وحاليا، وكان من نتائج شمولية ولا مساواة وفساد تلك الأنظمة، بروز نزعات انفصالية بها جميعا من دون استثناء، فكان أن جعلت تلك الأنظمة من دعوات الانفصال مبررا إضافيا لوجودها واستمرارها وإحكام قبضتها الأمنية، فنادى الجنوبيون والحوثيون بالانفصال عن اليمن، وتنامت دعوات انفصال الأقباط عن مصر إلى درجة أن بعضهم ذهبوا قبيل انهيار النظام بقليل حد إعلان حكومة مهجر للأقباط بأمريكا، وظهرت نزعات انفصال الأمازيغ بليبيا والجزائر، ودعوات انفصال زنوج جنوب موريتانيا، أما جنوبيو السودان وأكراد العراق فيمكن اعتبارهم في حكم المنفصلين، فهل يعقل أن يكون من قبيل الصدفة وجود أنظمة عسكرية شمولية بدول تعاني جميعها من داء تنامي النزعات الانفصالية؟ أليس منطقيا أن نستنتج أن الأنظمة العسكرية هي ذاتها الجرثومة المسؤولة عن نشوء وتنامي نزعات الانفصال؟ ألا يثبت هذه النظرية كون دعوات انفصال الأقباط خمدت هكذا فجأة منذ سقوط نظام مبارك غير المأسوف عليه، لا بل لم يعد لها ذكر منذ أن التحم الأقباط بالمسلمين بساحة التحرير لإسقاط النظام؟ ألا يدعم نفس النظرية التحامُ الحِراكِ الجنوبي والحوثيين مع باقي اليمنيين لإسقاط نظام صالح العسكري، وتوحُّدُ عرب وأمازيغ ليبيا ضد النظام العسكري الدموي للعقيد القذافي؟
لقد صار جليا أن الأنظمة العسكرية الشمولية هي الجرثومة الخبيثة التي تُسبب نعرات الانفصال، وتبيَّن أنّ في إسقاطها شفاء يبدو تاما من تلك النعرات واستعادة ملحوظة 'لشهية الوحدة'. وعلى ذكر الأنظمة العسكرية الشمولية، أعتقد شخصيا أن الشعبين التونسي والمصري اللذين لم يتخلصا بعد نهائيا من بقايا النظامين المطاح برأسيهما، ليسا أبدا بمنأىً عن عودة نظامين عسكريين بواجهة مدنية بالبلدين لا قدّر الله، فما زال موقفا الجيشين المصري والتونسي ملتبسين، إذ يبدو أن كلا الجيشين مع الثورة وضدها، فهما مع الثورة لأنهما لم يطلقا إلى الآن رصاصة واحدة على المواطنين وهذا يحسب لهما، وضدها لأنهما لم يحسما أمرهما بالتدخل الإيجابي لصالح الثورة وضد بقايا النظامين الفاسدين في حكومتي الغفلة المنصبتين من لدن بن علي ومبارك قبل اندحارهما، فالجيشان بهذا الموقف الملتبس يكبحان انطلاقة الثورتين نحو أهدافهما النهائية ويقفان مكتوفي الايدي أمام عمليتي الالتفاف على الثورتين التونسية والمصرية، فهل تكفي ضرورات حفظ الأمن لتبرير تقاعس المؤسستين العسكريتين عن إجبار بقايا النظام على التنحي؟ ولماذا لا يبادر الجيش التونسي والجيش المصري إلى خلع الحكومتين الجديدتين-القديمتين اللتين تعدان امتدادا للنظامين، ليضمن كل من الشعبين إرساء أسس نظام ديمقراطي حقيقي يضمن استحالة عودة النظم العسكرية الديكتاتورية التي لم يعرف البَلَدان غيرها طوال تاريخهما أي منذ عهد الفراعنة والقرطاجيين؟
بقلم : بابكر عيسى
تاريخ نشر الخبر:الأربعاء 26/01/2011
الجمعة 21-01-2011
الثورة لا تستأذن أحداً، والانتفاضة لا تنتظر تذكرة عبور إلى بر الحرية والكرامة والعزة، وعلى امتداد التاريخ لم نسمع أن انتفاضة ما أو ثورة استأذنت الطاغوت أو الديكتاتور سواء كان شخصاً أو حزباً أو هيئة قبل أن تنطلق لتغسل عار الهوان الذي يتجسد في مصادرة الحرية وفي اعتقال الوطن وفي ملاحقة الشرفاء وتلويث الحقيقة أو تغطية عين الشمس بغربال من الأكاذيب والادعاءات والأباطيل.
الثورة عندما تأتي عاقدة العزم وفاتحة الصدر ومستعدة ومهيأة لقائمة طويلة من التهديدات والتحديات والمخاطر لا تحتاج إلى مفتاح تُزيل به أبواب الظلم، كما أنها لا تحتاج إلى كشافات لتعري بضوئها الفساد وتفضح الجريمة وتحطم بوابات السجون لتطلق سراح الشرفاء الذين هتفوا ضد الظلم في سنوات القهر والفجيعة.
ثورة الياسمين في تونس لم تستأذن أحدا، خرجت مندفعة لتطوي سنوات الهوان والقمع والفساد التي عاشها الشعب التونسي طيلة سنوات عديدة، لم تطلق الأجراس لتعلن للعالم قدومها، خرجت في هدوء وثقة واقتدار، خرجت رجالاً ونساءً وشباباً عاقدة العزم على طي هذه الصفحة السوداء القاتمة من تاريخهم الوطني، ورغم الادعاءات بالانجازات التي حققها النظام خرجت الجماهير مندفعة في عفوية وفي ثقة تهتف بسقوط الظلم حتى أجبرت الطاغية على الهروب ليلاً بحثاً عن الأمان المفقود الذي لم ينعم به شعبه طيلة سنوات حكمه التي تحالف خلالها الفساد مع الجريمة.
لا أحد يستطيع – حزباً كان أو جماعة – أن يدعي أنه المحرك لهذه الانتفاضة العظيمة التي صنعها الشعب التونسي وقادها في دروب الإصرار والتحدي حتى حققت أهدافها، وبعدها ظهرت القوى السياسية كجزء من النسيج الوطني لتعلن مباركتها وولاءها لهذه الثورة التي أزاحت الظلم، ولكن الخوف كل الخوف من النخب الانتهازية التي ستسعى للانقضاض على الثورة ومصادرة انتصارها العظيم وتجيير هذا الانتصار لمصالحها وسرقة التضحيات الجسورة للشارع التونسي.
سرقة الانتصارات ليست جديدة على النخب، فقد عايشنا هذا السطو في العديد من الانتفاضات العربية، فما أن يهدأ الشارع ويهرب الطاغية إلا وتجد هذه النماذج البشرية قد بدّلت جلودها ولبست رداء الثورة وتلونت بطلائها لتوهم الآخرين وتمارس السرقة، امتصاصاً لعرق الشعوب ونهباً لرحيق الانتصار.
ان شعار الحذر واليقظة والاستعداد يجب ان يكون مرفوعاً وشامخاً حتى لا يعطي هذه الفئران البشرية الفرصة لقرض مكتسبات الشعب والعودة به إلى ساحات الفساد وأقبية الظلم ودهاليز الجريمة، إن تمتع النخب بهذه القدرة على التلون وارتداء الأقنعة وتبديل الجلود ليس جديدا وانما هي قدرة قديمة ومكتسبة، وكم من شعوب سرقت انتصاراتها وأعيدت إلى عهود الديكتاتورية والظلم، وكلمتي إلى أهلي في تونس أن يكونوا أكثر حذراً حتى لا تُسرق تضحياتهم الجسورة وحتى لا تتحول دماء الشهداء - الغالية والنفيسة- إلى شيء رخيص، فالثورة انطلقت ويجب ان تتواصل لبناء مجتمع ديمقراطي في بلد يتساوى فيه الجميع وتحكمه سلطة المؤسسات.